الشيخ محمد هادي معرفة

311

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

أبي حنيفة ، القائل بوجوب دفع المال لليتيم إذا بلغ خمسا وعشرين سنة ، وإن لم يؤنس منه الرشد « 1 » . نعم ، هنا تعسّف في الرأي ؛ لأنّه أخذ بإطلاق الآية الأُولى وحملها على ما بعد هذا السنّ ؛ وذلك لاتّفاق الفقهاء على الاشتراط بإيناس الرشد قبل ذلك ، فما لم يبلغ خمسا وعشرين ، لا يُدفع إليه ما لم يؤنس منه الرشد ، وأمّا إذا بلغها فيُدفع إليه مطلقا ؛ وذلك عملًا بالآيتين . وهذا تعسّف في الاستدلال ؛ لأنّه حملٌ للظاهر على بعض صوره من غير دليل ، على أنّ الإطلاق في الآية الأُولى يجب تقييده بالآية الثانية ، وحمل المطلق على المقيّد ليس إبطالًا للمطلق ، كما زعمه الجصّاص . * * * وممّا أخذ عليه الذهبيّ حملته على مخالفيه ؛ بحيث لا يعفّ لسانه عنهم . قال : ثمّ إنّ الجصّاص مع تعصّبه لمذهبه وتعسّفه في التأويل ، ليس عفّ اللسان مع الإمام الشافعيّ ، ولا مع غيره من الأئمّة . وكثيرا ما نراه يرمي الشافعيّ وغيره من مخالفي الحنفيّة بعبارات شديدة ، لا تليق من مثل الجصّاص ، فمثلًا عندما تعرّض لآية المحرّمات من النساء نجده يعرض الخلاف الذي بين الحنفيّة والشافعيّة ، في حكم من زنى بامرأة ، هل يجوز التزويج ببنتها أو لا ؟ وتمسّك الشافعيّ بأنّ الحرام لا يحرّم الحلال ، ثمّ ذكر مناظرة له مع سائل سأله : كيف تُحرّم بنت المنكوحة ولا تحرّم بنت المزنيّ بها ؟ فأجابه الشافعيّ بأنّ ذاك حلال وهذا حرام ، ولم يزد في الفرق بينهما على ذلك . وهنا يقول الجصّاص : فقد بان أنّ ما قاله الشافعيّ وما سلّمه له السائل كلام فارغ لا معنى تحته في حكم ما سئل عنه . ثمّ يقول : ما ظننت أنّ أحدا ممّن ينتدب لمناظرة خصم ، يبلغ به الإفلاس من الحجاج ، إلى أن يلجأ إلى مثل هذا ، مع سخافة عقل السائل وغباوته « 2 » .

--> ( 1 ) - . أحكام القرآن للجصّاص ، ج 2 ، ص 49 . ( 2 ) - . المصدر نفسه ، ص 118 .